الشيخ محمد رشيد رضا
12
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القواعد الشرعية في حفظ المصالح ودرء المفاسد بحسب حال الزمان والمكان . وأما في الأمور الاعتقادية والتعبدية فبارجاعهم إلى ما كان عليه السلف الصالح بلا زيادة ولا نقص واعتبار ما أجمع عليه المسلمون في العصر الأول هو الدين الذي يدعى اليه ، ويحمل كل مسلم عليه ، وما عداه من المسائل الاجتهادية مما يعمل فيه صاحب الدليل بما يظهر له أنه الحق من غير أن يعادى أو يمارى فيه من لم يظهر له دليله من إخوانه المسلمين الموافقين له في مسائل الاجماع . وأما العامي الذي لا قدرة له على الاستدلال فلا يذكر له شئ من أمر الخلاف فان عرض له أمر استفتى فيه من يثق بورعه وعلمه من علماء عصره . وذلك العالم يبين له حكم اللّه فيه بأن يذكر له ما عنده فيه من آية كريمة أو سنة قويمة . ويبين له المعنى بالاختصار - هكذا كان علماء الصحابة والسلف وعامتهم ، وأنى للمسلمين اليوم أن يستقيموا على طريقتهم وهم فاقدوا أولي الأمر الذين تفوض الأمة إليهم أمورها العامة وتجعلهم مسيطرين على حكامها وأحكامها ؟ قد اهتدى الامام الغزالي في آخر عمره إلى مضار الاختلاف في المسلمين وإلى أنه لا نجاة لهم منه إلا بحكم اللّه ورسوله ، والعمل بما أجمع عليه السلف على مقربة مما قلنا . فقد ذكر في كتابه ( القسطاس المستقيم ) مناظرة دارت بينه وبين أحد الباطنية القائلين بأنه لا بد في كل زمن من إمام معصوم يرجع إليه ويطاع طاعة عمياء وإننا نورد بعض كلامه في ذلك « * » قال رحمه اللّه تعالى بعد كلام في الاختلاف فقال - أي مناظره الباطني - : كيف نجاة الخلق من هذه الاختلافات ؟ قلت : إن أصغوا إلى رفعت الاختلاف بينهم بكتاب اللّه ، ولكن لا حيلة في إصغائهم فإنهم لم يصغوا بأجمعهم إلى الأنبياء ولا إلى إمامك فكيف يصغون إلى ؟ وكيف يجتمعون على الاصغاء وقد حكم عليهم في الأزل بأنهم لا يزالون مختلفين الامن
--> ( * ) قد بينا رأينا السابق في إزالة الخلاف بالتفصيل في ( محاوات المصلح والمقلد ) التي نشرت في المجلدين الثالث والرابع من المنار . وذكرنا فيها رأى الغزالي بالتفصيل . وقد طبعت على حدة وقد قرأ الأستاذ الامام ذلك كله وأعجبه